يدخل جيل زد مرحلة البلوغ في عالم لا تحدده أزمات مؤقتة، بل اضطرابات بنيوية طويلة الأمد. إن حالة عدم الاستقرار التي تشكل الحياة العالمية اليوم — من انهيار المناخ، وتراجع الثقة السياسية، واتساع فجوة اللامساواة الاقتصادية — لا يراها هذا الجيل كعاصفة عابرة، بل كـ “طقس” دائم للقرن الحادي والعشرين. وقد صنعت هذه الظروف جيلًا لا يمنح الثقة تلقائيًا، خصوصًا تجاه أنظمة تطلب الشرعية لكنها تفشل في إظهار المساءلة.
إنه ملاحظة.
عبر القارات، شاهد جيل زد مؤسسات تعد بالإصلاح لكنها تكرر نفسها؛ تتعهد بالتقدم لكنها تعيد إنتاج الهرمية؛ وتطالب بالشرعية بينما تتجاهل احتياجات الناس الذين تحكمهم. الجيل الذي نشأ وهو يرى هذه التناقضات صار لديه ارتباط جديد مع أنظمة القوة — ارتباط قائم على الواقع المعاش، لا على الروايات الموروثة.
والواقع يتكلم بوضوح:
الأنظمة التي تفشل في التكيّف تفقد حقها في أن تُوثَق.
جيل نشأ وسط انهيارات تُبث مباشرة
لم يسبق لجيل أن بلغ سن الرشد وهو يملك وصولًا مباشرًا ومفتوحًا إلى تفكك البنى العالمية. لقد شاهد جيل زد:
- تعثر منظومات مالية وتآكل الثقة في جدواها
- انتخابات تُنزع عنها الشرعية بفعل الاستقطاب والتلاعب
- حكومات عاجزة عن معالجة السكن والعمل وأزمات المناخ
- شركات تتراكم لديها القوة دون مساءلة حقيقية
- منظومات معلومات تغرق في التضليل
بخلاف أجيال سابقة تعرفت على فشل المؤسسات لاحقًا عبر كتب التاريخ، شاهد جيل زد هذه الإخفاقات وهي تتكشف “على الهواء”، على شاشات لا تنطفئ.
هذا القرب من الأزمات يعيد تشكيل التوقعات:
إذا لم تستطع القيادة أن تتحرك، تُسأل السلطة.
وإذا لم تستطع السلطة أن تفسر، تُسحب الشرعية.
وإذا لم تستطع الأنظمة أن تتغير، لا يعود يُنظر إليها كشيء يستحق أن يُورَّث.
عندما تفقد الأنظمة شرعيتها
تبقى الأنظمة السياسية قائمة بقدر ما يُعتقَد أنها شرعية. وعندما تصبح الحكومات غير مستجيبة أو فاسدة أو معزولة عن المجتمع، تتصدع الشرعية. تُظهر نيبال مثالًا واضحًا: سنوات من الإقصاء واللامساواة تراكمت حتى انهار النظام الملكي في منتصف العقد الأول من الألفية. لكن نيبال ليست درسًا معزولًا — بل صورة مصغرة لنمط عالمي.
- هونغ كونغ — عندما تنكسر الوعود: خرج ملايين الشباب في 2019، ليس لأنهم يرفضون “النظام”، بل لأنهم رأوا أن النظام قد رفضهم. ما بدأ اعتراضًا على سياسة واحدة صار استفتاءً على الثقة نفسها.
- تشيلي — إعادة كتابة العقد الاجتماعي: دفع جيلٌ كامل البلاد نحو استبدال دستور لم يعد يعكس المجتمع. لم تكن المطالبة بإصلاح رمزي، بل بإعادة بناء الأساس.
- المنطقة العربية — نهاية الإصلاح التجميلي: من تونس إلى لبنان، أظهرت حركات يقودها الشباب حقيقة واحدة: لا يمكن استعادة الشرعية بوعود لا تمس بنية القوة.
- فرنسا — انقطاع الصلة الديمقراطية: إصلاحات فُرضت دون توافق مجتمعي أشعلت تعبئة واسعة. الرسالة كانت واضحة: قرارات تُتخذ دون الناس لا يمكن أن تُتخذ لأجلهم.
عندما تصبح الأنظمة بعيدة المنال، يتجاوزها الناس.
إعادة النظر في القصص التي تعلمناها
لسنوات طويلة اعتمدت المؤسسات على روايات تحفظ الاستقرار:
- “النمو سيرفع الجميع.”
- “الأذى البيئي يمكن علاجه لاحقًا.”
- “الديمقراطية تُختصر بالتصويت.”
- “العمل الجاد يضمن النجاح.”
لكن جيل زد نشأ وهو يرى كثيرًا من هذه الادعاءات تتداعى. وبفضل وصول غير مسبوق إلى المعلومات عالميًا، اكتشف هذا الجيل أن:
- النمو يفيد القلة ما لم يُعَد توزيعه عمدًا.
- التأجيل دفع أزمة المناخ نحو نقاط تحوّل يصعب عكسها.
- المشاركة دون مساءلة ليست ديمقراطية.
- النجاح تحدّه بنى اجتماعية واقتصادية، لا مجرد جهد فردي.
تساؤل جيل زد ليس قلة احترام — بل بحث عن اتساق. هذا الجيل يريد تطابقًا بين ما تقوله المؤسسات وما تفعله.
الخلاصة: المستقبل لا يُبنى على أوهام موروثة
نهاية الثقة التلقائية ليست نهاية الأمل — بل بداية تفاوض جديد بين الناس والقوة.