جيل زد وأزمة الصحة النفسية في عصر السوشيال ميديا
نظرة هادئة على كيف تُعيد منصات التواصل تشكيل الهوية والثقة بالنفس، والعلاقات الاجتماعية والراحة الداخلية – وكيف يمكن للأهل دعم أبنائهم.
نظرة هادئة على كيف تُعيد منصات التواصل تشكيل الهوية والثقة بالنفس، والعلاقات الاجتماعية والراحة الداخلية – وكيف يمكن للأهل دعم أبنائهم.
ينمو جيل زد في بيئة تُصاغ فيها الهوية ثم تُعاد صياغتها باستمرار عبر العالم الرقمي. وعلى عكس الطفولة التي تكون فيها الصورة الذاتية أبسط وأقل تعقيدًا، يدخل الكثير من شباب جيل زد مرحلة المراهقة والشباب وسط مقارنات مستمرة، وأحكام جاهزة، و“واقع مُنتقى” يظهر على الشاشة.
تكشف لهم المنصات معايير غير واقعية، ولقطات مثالية، وآراء لا تنتهي من أصدقاء وغرباء. لهذا يعاني كثيرون من صعوبة فهم “من هم حقًا” بعيدًا عن التصفيق الخارجي (الإعجابات والتعليقات). يتعثر نمو الهوية عندما يصبح التركيز منصبًا على نظرة الآخرين بدلاً من مساحة آمنة لاكتشاف الذات.
وبينما اكتشفت الأجيال السابقة فرديتها تدريجيًا عبر تجارب الحياة الواقعية، يشعر بعض أفراد جيل زد أن “صورتهم عن أنفسهم” تتشكل قبل أن تتاح لهم فرصة تشكيلها.
إلى جانب اضطراب الهوية، تتأثر الصحة النفسية بسبب الاستهلاك المستمر للمحتوى. يقع كثيرون في نمط امتصاص كل ما يرونه: الإيجابي والسلبي وكل ما بينهما. يصبح العقل مثل الإسفنجة — يمتص المقارنات والنقد والترندات والدراما، ومشاكل العالم، وغيرها من مصادر الضغط.
المشكلة أن “السعادة” التي يوفرها الإنترنت غالبًا مؤقتة. فالرضا الناتج من الإعجابات والمتابعة يختفي بسرعة، وإذا لم تكن هناك مصادر داخلية للثقة والفرح، يعود الإحساس بالفراغ.
وهكذا تتكرر الحلقة: البحث عن إشباع سريع عبر الشاشة، بدل تعلم بناء سعادة طويلة الأمد عبر التجارب الحقيقية، والعلاقات، والإنجازات، والنمو الداخلي.
رغم أنها تُسمى “وسائل التواصل الاجتماعي”، يعتمد كثير من شباب جيل زد عليها كوسيلة التفاعل الأساسية. ونتيجة لذلك، يعاني البعض من ضعف مهارات التواصل وجهًا لوجه، أو الخجل في المحادثات، أو انخفاض الثقة الاجتماعية.
قد يكون إرسال رسالة أسهل من لقاء شخص والتحدث معه، وعندما تصبح المحادثة صعبة أو محرجة، يتم الانسحاب إلى الهاتف بدل تعلم مهارات التواصل. هذا النقص في الاتصال الإنساني الحقيقي قد يزيد الشعور بالعزلة والوحدة والانسحاب العاطفي.
بدل الخروج ومقابلة الأصدقاء أو ممارسة نشاط بدني، يقضي البعض ساعات طويلة وحدهم في غرفهم، مع الهاتف أو الألعاب أو المكالمات، لتصبح “الحياة الاجتماعية” أقل حركة وتفاعلًا — وهذا يضر الرفاه النفسي على المدى البعيد.
الاعتماد المفرط على المنصات الرقمية قد يُضعف الرغبة في بناء مهارات وهوايات خارج الإنترنت. كانت الأجيال السابقة تنمو مع الرياضة والقراءة والفنون والأنشطة الخارجية والتجارب البسيطة.
اليوم يجد بعض الشباب صعوبة في الاستمتاع بهوايات تحتاج صبرًا وجهدًا، لأنهم اعتادوا تحفيزًا سريعًا وفوريًا من المحتوى القصير. غياب الهوايات لا يحد فقط من الإبداع والنمو الشخصي، بل يقلل أيضًا من فرص تخفيف الضغط وبناء الثقة الذاتية من مصادر حقيقية.
وبدون اهتمامات واقعية، قد يظهر الملل وفقدان الدافع والشعور بالانفصال عن الذات.
للأهل دور مهم في مساعدة أبنائهم على بناء حياة أكثر صحة. البداية تكون عبر تعزيز التوازن: حدود واقعية لوقت الشاشة، وتشجيع أنشطة واقعية، ونموذج عائلي في استخدام الأجهزة.
من المهم خلق فرص للهوايات، واللقاءات الواقعية، وبناء الاستقلال. كما أن التواصل المفتوح أساسي: يجب أن يشعر الأبناء بالأمان للحديث عن الضغوط والمشاعر دون حكم أو سخرية.
ويمكن للأهل توجيه الأبناء لبناء ثقة لا تعتمد على المقارنة الرقمية، وتعليمهم تقدير نقاط قوتهم بدل مطاردة “الصورة المثالية” على الإنترنت.
والأهم: الحضور — دعم، وتوجيه، وبنية واضحة، ودفء إنساني — حتى يستعيد الأبناء اتصالهم بذواتهم ويبنون أساسًا نفسيًا واجتماعيًا أقوى للمستقبل.