العالم ليس في حرب — بل في مرحلة انتقال

قراءة تحليلية مطوّلة للوضع العالمي الراهن من منظور جيل زد: لماذا يبدو العالم غير مستقر، ولماذا ما نعيشه هو انتقال تاريخي لا فوضى.

يبدو العالم اليوم أكثر ضجيجًا من أي وقت مضى. ليس فقط بسبب عدد الصراعات التي تتفجّر في وقت واحد، بل بسبب الضغط المستمر، والخوف، وحالة الارتباك التي تهيمن على الخطاب العالمي. من غزة إلى أوكرانيا، ومن واشنطن إلى بكين، ومن العقوبات والحروب التجارية إلى سباقات التسلّح والاستعراضات العسكرية، تصل رسالة واحدة إلى الناس العاديين: عدم الاستقرار أصبح هو القاعدة الجديدة.

ومع ذلك، بالنسبة لكثيرين — وخصوصًا الأجيال الشابة — لا يبدو هذا المشهد انهيارًا مفاجئًا، بل نتيجة حتمية لنظام عالمي هشّ بنيويًا منذ عقود. نحن لا نعيش مجرد عالم في حالة حرب، بل عالمًا يمر بمرحلة انتقال مؤلمة وغير مؤكدة.

نظام عالمي بُني على القوة لا على الإنسان

النظام الدولي الحالي لم يُصمَّم يومًا ليضع رفاه الإنسان في المقدّمة. لقد تأسست بنيته على توازنات القوة، والردع العسكري، والهيمنة الاقتصادية، والنفوذ الجيوسياسي. لم تكن الاستقرار في هذا السياق مرادفًا للعدالة أو المساواة، بل مرادفًا للسيطرة.

لم يكن السلام يعني غياب العنف، بل إدارته. لذلك لم تكن الحروب فشلًا للنظام، بل أداة من أدواته: وسيلة لإعادة ضبط التوازنات، وتبرير الميزانيات العسكرية الضخمة، وتحفيز صناعات السلاح، والحفاظ على النفوذ في المناطق والموارد.

هناك قطاعات اقتصادية كاملة تعتمد على عدم الاستقرار، ومسيرات سياسية كاملة تُبنى على الخوف، ومنظومات إعلامية كاملة تزدهر بالاستقطاب. في مثل هذا النظام، الصراع ليس استثناءً، بل سمة أساسية.

السرديات كسلاح

الصراعات الحديثة لا تُخاض فقط بالصواريخ والدبابات، بل بالسرديات. طريقة التغطية الإعلامية، والغضب الانتقائي، والصمت الاستراتيجي، كلها أدوات تشكّل وعي الجمهور بقدر ما تفعل العمليات العسكرية.

ما يُوصَف بأنه «مخاوف أمنية» في منطقة، يُقدَّم بوصفه «أزمة إنسانية» في منطقة أخرى. وما يُصوَّر كـ«دفاع» في سياق معيّن، يُدان بوصفه «عدوانًا» في سياق مختلف.

أصبحت دول مثل إيران وفنزويلا رموزًا مركزية في هذا الصراع السردي؛ لا بوصفها فاعلين سياسيين فحسب، بل كدروس أخلاقية تُستَخدم لترسيخ روايات عالمية محددة حول الحرية، والمقاومة، والنظام، أو الفوضى. هذا التركيز ليس عشوائيًا، بل يعكس صراعًا أعمق حول من يملك شرعية المعنى في عالم يتغيّر.

الناس العاديون هم من يدفع الثمن

  • ارتفاع تكاليف المعيشة
  • تقلّص الفرص الاقتصادية
  • تصاعد الضغوط النفسية
  • شعور دائم بعدم اليقين تجاه المستقبل

بينما يتفاوض القادة، وتربح الشركات، وتناقش المؤسسات، يتحمّل الناس العاديون النتائج. وغالبًا ما يكون المتضرّرون الحقيقيون من الحروب والعقوبات غائبين تمامًا عن غرف اتخاذ القرار. تُختزل حياتهم إلى أرقام، أو أضرار جانبية، أو نقاط نقاش تجريدية.

التناقض في قلب الخطاب العالمي

من أكثر مظاهر اللحظة العالمية إزعاجًا هو التناقض العميق في الخطاب الدولي. تُرفع شعارات حقوق الإنسان والحرية والكرامة في بعض السياقات، بينما يُتجاهل أو يُبرَّر العنف الواسع والانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين في فلسطين.

هذا التناقض ليس هامشيًا، بل بنيويًا. إنه يكشف نظامًا تُطبَّق فيه القيم بانتقائية، وتُستَخدم فيه اللغة الأخلاقية كأداة، ويصبح فيه التعاطف مشروطًا بالاصطفاف السياسي.

وبالنسبة لجيل زد، الذي نشأ في عالم شديد الترابط، تنتقل فيه الصور والمعلومات بلا حدود، يصبح تجاهل هذا التناقض مستحيلًا. لم يعد الأمر سياسيًا فقط، بل أخلاقيًا.

جيل يرى ما وراء الوهم

لم ينشأ جيل زد على تصديق السرديات الجاهزة. لقد نشأوا وهم يشكّكون فيها. شهدوا أزمات مالية أُلقي اللوم فيها على الناس العاديين، وحروبًا قُدّمت بوصفها ضرورات، ودمارًا بيئيًا جرى تبريره باسم النمو.

رأوا مؤسسات تفقد مصداقيتها، وقادة يعيدون تدوير التفسيرات ذاتها بينما تسوء الأوضاع. هذا الجيل لا يطالب بعالم مثالي، بل بعالم صادق.

لماذا تُنفق تريليونات على السلاح بينما تبقى الحاجات الإنسانية الأساسية غير ملبّاة؟ لماذا يكون الدمار دائمًا ممكن التمويل، بينما تُعامل الرعاية كترف؟ لماذا يُطلب من المواطنين الطاعة، بينما تصبح المحاسبة خيارًا انتقائيًا لمن في السلطة؟

هذه الأسئلة ليست راديكالية، بل عقلانية.

عالم يُعاد تشكيله

رغم الخوف وعدم اليقين، فإن هذه اللحظة ليست لحظة انهيار فقط، بل لحظة إمكانية أيضًا. البُنى القديمة تتصدّع، والافتراضات القديمة تُراجَع، والقوة تتجزأ، والسرديات تتنازع، والسلطة لم تعد مطلقة كما كانت.

العالم لا ينتهي، بل يُعاد تشكيله. وما سينبثق من هذا الانتقال لم يُحسم بعد. سيتوقّف ذلك على ما إذا كانت البشرية ستواصل قبول أنظمة قائمة على الاستغلال والصراع، أم ستتمكّن من بناء نماذج جديدة قائمة على الكرامة، والعدالة، والمسؤولية المشتركة.

بالنسبة لجيل زد، الخيار واضح. هم غير معنيين بوراثة عالم صُمّم ليدمّر نفسه. إنهم يريدون مستقبلًا صُمّم ليحافظ على الحياة.

يقدم GENZGATE هذا التحليل ضمن مسار يهدف إلى مساعدة جيل زد على فهم التحولات الكبرى دون تهويل أو تبسيط.